نصيحة جرينسبان
لا بد من تعديل أسعار الصرف، سواء بتنسيق بين الدول أو دون تنسيق.
ربما يخبو اهتمام السوق بالاختلالات العالمية أو يشتعل، لكن الحقائق الاقتصادية تظل ثابتة. ولا يمكن أن يظل العجز في الحساب الجاري الأمريكي على حاله على المدى الطويل. فإذا أردنا تقليص هذا العجز ليصبح ضمن القدر المعقول بوسائل خلاف حدوث تراجع اقتصادي عالمي، لا بد من تغييرات في السياسة الاقتصادية الكلية من جانب الدول التي تحتفظ بفائض مدخرات، وكذلك من جانب الولايات المتحدة نفسها. ويجب أن تقترن هذه التغيرات بتحولات كبيرة في أسعار الصرف الحقيقية، وذلك لتغيير الأسعار النسبية للواردات والصادرات، والسلع القابلة للمتاجرة وغير القابلة للمتاجرة، حتى وإن كانت حركة أسعار الصرف وحدها لا تكفي لحل الإشكال. والسؤال المهم في هذا المقام هو كيف تنتقل من التوازن الحالي، القائم على الاختلالات، لنصل إلى توازن أكثر استدامة من ذي قبل.
بالنسبة للبعض هذا الوضع يستصرخ الجميع للتوصل إلى تنسيق رسمي دولي للسياسات، على غرار اتفاق بلازا لعام 1985 (الذي وقعه في فندق بلازا في نيويورك وزراء مالية أكبر خمسة اقتصادات عالمية في ذلك الحين وهي الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا الغربية، فرنسا، والمملكة المتحدة، وتعهدوا فيه باتخاذ سياسات اقتصادية محددة، ووافقوا جميعاً على التدخل في أسواق العملات، إذا اقتضى الأمر، لتخفيض سعر الدولار). أما نسخة هذه الأيام من اتفاق بلازا، فيجب أن تشتمل على الموافقة المشتركة للاقتصادات الآسيوية على رفع قيمة عملاتها مقابل الدولار. لكن ألان جرينسبان، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي خاطب بالأمس (عن طريق الأقمار الصناعية) مؤتمر قمة المراكز المالية الآسيوية الذي عقد برعاية "فاينانشيال تايمز"، ذكر أن مثل هذا الاتفاق "غير مرجح.. ومن المحتمل أنه لا يتصف بالحكمة"، على اعتبار أنه ينبغي على كل بلد الاتفاق داخلياً على تحولات أسعار الصرف ذات الآثار بعيدة المدى.
وإجراء نوع من التنسيق في السياسة العالمية أمر مرغوب، ذلك أن فكرة أسعار الصرف نفسها، بالتعريف، هي من القضايا التي تهم أطرافاً عديدة. وفضلاً عن ذلك، فلعل من الأسهل على زعماء الدول أن يدافعوا أمام شعوبهم عن فكرة إجراء تعديلات محلية صعبة إذا وافقت الدول الأخرى على اقتسام الألم. لكن اقتراح جرينسبان بأن الطريق الأفضل للتعديلات العالمية إنما يكون من خلال سماح كل بلد لقوى السوق بأن تعمل بكفاءة أكبر هو اقتراح سليم إلى حد كبير.
أما التركيز الضيق على الصين وحدها فإنه أمر مضلل، ذلك أن الزيادة في فائض مدخراتها منذ عام 1996 تبلغ تقريباً سدس الزيادة في العجز الأمريكي. والجانب المقابل للعجز الأمريكي المتزايد إنما هو الارتفاع في فائض مدخرات الأسواق الناشئة والدول المصدرة للنفط عموماً. لكن الدول المصدرة للنفط مواردها محدودة. ومن بين الدول غير المصدرة للنفط، فإن الصين ليست أبرز الدول من حيث السرعة في تراكم مدخراتها. فقد ازدادت بمقدار 541 مليار دولار في ثلاث سنوات، منها زيادة بمقدار 112 مليار دولار جاءت منذ أن تبنت الصين ترتيباً جديداً للعملة في تموز (يوليو) الماضي. وهذا دليل على أن الصين كانت تعمل على إحباط قوى السوق، وكانت تعاني كذلك من عواقب مبدأ التغير التدريجي في السياسة، على شكل المضاربات في التدفقات الرأسمالية الداخلة. ومن جانب آخر، تظهر الاقتصادات الآسيوية الأخرى كذلك تزايداً منهجياً في احتياطياتها.
وهذه البلدان بحاجة إلى التصرف بشكل عاجل للغاية لمعالجة الأسباب المحلية للاختلالات الخارجية (من قبيل التخصيصات الرأسمالية الشاذة، والتأمين الذاتي في الصين، وضعف الإنتاجية في قطاعات البضائع والخدمات غير القابلة للمتاجرة في بقية الاقتصادات الآسيوية)، والسماح في الوقت نفسه بقدر أكبر من مرونة سعر تبادل العملة. فإذا رفعت هذه الاقتصادات من قيمة عملاتها، فإن إشارات الأسعار الناتجة عن ذلك ستعمل على مساندة تحويل وجهة الإنتاج نحو الأسواق المحلية، وفي الوقت نفسه ستعطي إشارات أسعار معاكسة في الولايات المتحدة. بطبيعة الحال فإن ذلك لن يلغي الحاجة إلى تغييرات مؤلمة في الولايات المتحدة، بما فيها ارتفاع كبير في المدخرات الوطنية، لكنه يؤمن أفضل بيئة عالمية ممكنة للقيام بالتعديل الضروري الذي على هذه الشاكلة.