تعتبر مشكلة المخدرات واحدة من اخطر المشكلات التي تواجه المجتمعات المعاصرة متطورة و نامية ، و لقد لعبت العديد من العوامل دوراً هاماً في تفاقم هذه المشكلة و انتشارها و لعل أهم هذه العوامل هو التغير الاجتماعي و الاقتصادي السريع الذي أربك كثير من النظم الاجتماعية و الثقافية و خلخل التوازن الذي كانت تنعم به العلاقات الإنسانية و القيم التي ترتكز عليها و قد تمخض عن هذا الوضع أن تعرضت الكثير من المؤسسات الاجتماعية الرئيسة بخلل في وظائفها و لعل الأسرة و هي أهم مؤسسة اجتماعية قد تعرضت إلى صدوع في بنائها و خلل في وظائفها من جراء هذا التغير السريع و في المقابل فإن معظم المؤسسات الاجتماعية الحديثة و التي قامت لتسد هذا الخلل عاجزة عن أداء وظائفها بشكل مرضي حتى في أكبر الدول حجماً و غنى و قوة ، و لعل انتشار المخدرات ، خاصة بين الأطفال والمراهقين ، مؤشراً هاماً لما تعانيه الأسرة من مشكلات تعوق قيامها بوظائفها على أكمل وجه يؤكد ذلك العديد من الدراسات التي أثبتت ما للأسرة من دور كبير في انحراف أفرادها .
و مما لا شك فيه أن الأسرة من أقدم النظم الاجتماعية التي عرفها الإنسان و التي و إن طرأ عليها بعض التغيرات فلا تزال تحتفظ بالكثير من وظائفها التي مارستها في الماضي السحيق و لا تزال تمارسها و لعل أهم تلك الوظائف على الإطلاق هي عملية التنشئة الاجتماعية و التي تضطلع بها الأسرة لعدد من السنوات تبدأ منذ تكون الجنين و تمتد حتى نهاية مرحلة المراهقة بل تمتد في بعض جوانبها إلى نهاية عمر الفرد ، ولأن وظيفة الاسرة في عملية التنشئة تبدأ في مرحلة التكوين الأولى و التي يكون الطفل فيها أكثر قابلية للتشكيل و التطبيع و أكثر مرونة لتشرب القيم و المعايير الاجتماعية هذا يعطي الأسرة دوراً مهماً و خطيراً في حاضر الطفل و مستقبله ، أن الخبرات التي يمر بها الفرد في طفولته تترك بصماتها محفورة في وجدانه و تأثر بطريقة أو أخرى على سلوك الفرد _و اتجاهاته ، إن الأسرة هي التي تصنع الرجل الخنوع المسلوب الإرادة السهل الانقياد و هي التي تصنع الرجل القوي الإرادة الذي يقاضي الأمور من خلال معايير و قيم يقرها المجتمع و يباركها . لقد لاحظ كثير من الأطباء و العاملين في ملاجئ الأطفال أن الأطفال الذين يربون في هذه الملاجئ يعانون بشكل ملحوظ من الاضطراب النفسي و الضعف العقلي و الجنوح و المشكلات الاجتماعية المختلفة ، الأمر الذي دفع كثير من الدول الغربية إلى إسناد مهمة تربية هؤلاء الأطفال إلى الأسر التي ترغب في تبنيهم ، و هذه النتائج تدل دلالة واضحة على أهمية الأسرة في عملية التنشئة و التي تكون محصلتها شخصية مستقيمة أو شخصية منحرفة قابلة للوقوع في هاوية المخدرات فدور الأسرة في مكافحة المخدرات يبدو في مراحل النمو الأولى من خلال التنشئة الصالحة السليمة .
تهدف هذه الدراسة إبراز أثر الأسرة في مشكلة المخدرات و كيف تؤثر الأسرة بمعاييرها و قيمها و سلوكها و اتجاهاتها و العلاقات السائدة فيها بتفاقم هذه المشكلة أو انحسارها ، كما تهدف هذه الدراسة لإيضاح و تحديد دور الأسرة غير المباشر و ذلك من خلال تأثيرها على العوامل المرتبطة بتعاطي المخدرات كجماعة الأصدقاء ، و الضغوط الاجتماعية و اوقات الفراغ و السمات الشخصية .