![]() |
![]() |
|
|
|
| مسابقة الرقم السعيد |
| جرب ادخال آخر 4 ارقام فقد تفوز بجائزة المنتدى إذا كانت الارقام صحيحة |
![]() |
![]() |
|
|||||||
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في هذا الموضوع | طرق عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 33 (permalink) | |||
|
|
بأي شيء نبدأ؟ هل يبدأ المسلم بتعلم العلم، أو يبدأ بقراءة القرآن وحفظه؟ سأل رجلٌ عبد الله بن المبارك، فقال: يا أبا عبد الرحمن في أي شيء أجعل فضل يومي؟ في تعلم القرآن، أو في تعلم العلم؟ فقال: هل تحسن من القرآن ما تقومُ بهِ صلاتُك؟ قال: نعم، قال: عليك بالعلم. وقال الميموني: سألت أبا عبد الله أيهما أحب إليك أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث؟ قال: لا بالقرآن، قلت: أعلمه كلَّه، قال: إلا أن يعسُر، فتعلِّمُه منه. ثم قال لي: إذا قرأ أولًا تعود القراءة، ثم لزمها. ولا تعارض بين هذين الجوابين؛ فإننا نفرق بين الكبير والصغير؛ فالصغير يقدم حفظ القرآن له، لما ذكره أحمد من العلة، وأما الكبير؛ فإنه يتعلم ما يصحح به صلاته؛ لأنه هو الواجب، ثم ينتقل إلى تعلم العلم المفترض عليه، وهو أحكام الصلاة وما يتعلق بها، والصوم، والزكاة، والحج(26). وقال الإمام أحمد: والذي يجب على الإنسان من تعليم القرآن والعلم ما لا بد له منه في صلاته وإقامة عينه، وأقل ما يجب على الرجل من تعلم القرآن فاتحة الكتاب وسورتان. وقال ابن حزم في الإجماع: اتفقوا أن حفظ شيء من القرآن واجب، ولم يتفقوا على ماهية ذلك الشيء ولا كميته بما يمكن ضبط إجماع فيه، إلا أنهم اتفقوا على أنه من حفِظَ أمَّ القرآنِ ببسم الله الرحمن الرحيم وسورة أخرى معها فقد أدى فرض الحفظ, وأنه لا يلزمه أكثر من ذلك، واتفقوا على استحباب حفظ جميعه، وأن ضبط جميعه واجب على الكفاية لا متعين(27). وقال أحمد أيضًا: يجب على المسلم أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه ولا يفرط في ذلك، فقيل له: فكل العلم يقوم به دينه؟! قال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه لا بد له من طلبه. قيل: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله صلاته وصيامه(28). وسئل ابن تيمية أيما طلب القرآن أو العلم أفضل؟ فأجاب(29): "أما العلم الذي يجب على الإنسان عينًا كعلم ما أمر الله به وما نهى الله عنه فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن؛ فإن طلب العلم الأول واجب وطلب الثاني مستحب والواجب مقدم على المستحب، وأما طلب حفظ القرآن؛ فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علمًا، وهو إما باطل أو قليل النفع، وهو أيضًا مقدَّمٌ في التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع؛ فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن؛ فإنه أصل علوم الدين بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم من الكلام أو الجدال والخلاف، أو الفروع النادرة، أو التقليد الذي لا يحتاج إليه أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله، فلا بد في مثل هذه المسألة من التفصيل، والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين والله سبحانه أعلم". وعلى هذا فالواجب على المسلم أن يتعلم من القرآن ما يقيم به صلاته، ويتعلم من العلم ما يجب عليه، ثم بعد ذلك ينظر في نفسه وقدراته، ويستشير من يثق برأيه؛ هل ينصرف إلى العلم فيتعلم قراءة القرآن، ويضبط تلاوته، ويحرص على حفظه إن تيسر له ذلك، ويتعلم التفسير والحديث والفقه، أو أنه يشتغل بالحفظ وإقامة الحروف، ومعرفة أحكام التجويد، مع معرفة معانيه في الجملة. وقدرات الناس ومواهبهم في ذلك مختلفة. وإذا أردتم مثالاً على الفرق بين العالم، وبين حافظ القرآن فقط؛ فانظروا إلى أثر كل منهما فيمن حوله، ستجدون أن أثر العالم أعظم من أثر الحافظ فقط، ولهذا ظهر علم مالك وأبي حنيفة، والشافعي وأحمد وصاروا أئمة أعظم من ظهور أصحاب القراءات؛ كعاصم، وخلف بن هشام، وورش وقالون، والكسائي وغيرهم. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. وكتبه: عبد السلام بن إبراهيم الحصين. --------------------------------------------- (1) مقدمة رشيد رضا لإعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي (19). (2) في الأصل صرامها. (3) أي شدة الحرارة فيها. (4) إعجاز القرآن للرافعي (30). (5) انظر: سير أعلام النبلاء (3/174- 175 في ترجمته رضى الله عنه) (6) روى القصة مسلم في صحيحه كتاب صلا المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه. (7) النبأ العظيم لدراز (43- 44). (8) سير أعلام النبلاء (4/66). (9) سير أعلام النبلاء (17/482). (10) سير أعلام النبلاء (8/179). (11) سير أعلام النبلاء (4/286). (12) السير. (13) مجموع الفتاوى (16/50). (14) الآداب الشرعية (2/294). (15) الدقل هو التمر اليابس، ومعناه: أن تقرأونه بسرعة كما تناثر الرطب الرديء اليابس من العذق إذا هُز. (16) رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن، وحسنه، وذكر ابن القيم في الزاد أن الترمذي صححه، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (17) انظر: زاد المعاد (1/328). (18) انظر: زاد المعاد (1/328). (19) رواه أبو داود، قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: بإسناد جيد. (20) انظر: مجموع الفتاوى (13/405- 407). (21) سير أعلام النبلاء في ترجمة أبي بكر بن عياش. (22) رواه ابن ماجه، وأحمد والدارمي، قال في الزوائد: إسناده صحيح. (23) زاد المعاد (1/327). وانظر: كلام أهل العلم على هذا الحديث، وعلى قوله صلى الله عليه وسلم ((أوتروا يا أهل القرآن)). (24) رواه البخاري ومسلم. (25) انظر: الموسوعة الفقهية (17/324). (26) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (2/33). (27) الآداب الشرعية (2/34). (28) الآداب الشرعية (2/35). (29) مجموع الفتاوى (23/55).
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 34 (permalink) | |||
|
|
كيف نفهم القرآن الكريم؟ 1- لماذا الحديث عن فهم القرآن. 2- تيسير القرآن للعباد.. 3- هل فهم القرآن وتدبره مقتصر على العلماء؟ 4- الخطأ في فهم القرآن. 5- الاختلاف في الفهم والتفسير. 6- معالم ترشدك إلى الطريق الصحيح. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ففي هذه المحاضرة زيادة بيان وتفصيل لنقطة من نقاط موضوع (أفلا يتدبرون القرآن)، فقد ذكرنا كيفية التدبر ووسائله، لكنه كان مجملاً بحسب الحاجة إليه هناك، ولأهميته كان لا بد من إفراده بمحاضرة مستقلة. وليس المقصود من المحاضرة ذكر قواعد تفصيلية لكيفية التفسير ومعرفة المعاني، فنحن لا نريد في هذه المحاضرة أن نجعلكم مفسرين، وإنما المقصود ذكر بعض الأمور التي تعين على الفهم، حتى تكون القراءة مرتبطة دائمًا بالتدبر والفهم، وإزالة الحاجز الذي يحول بين بعض الناس والتدبر الصحيح للقرآن الكريم، وبيان الوسائل الصحيحة التي يسير عليها المسلم لفهم القرآن فهمًا صحيحًا، يحميه من القول على الله بغير علم. 1- لماذا الحديث عن فهم القرآن؟ الحديث عن فهم القرآن هو أهم حديث ينبغي الحرص عليه لعدد من الأمور: أولاً: القرآن هو أصل الأصول كلها، وقاعدة أساسات الدين، وبه صلاح أمور الدين والدنيا والآخرة، وهو إنما نزل ليعمل به، ولا يمكن أن يعمل الإنسان بشيء لا يفهمه، ومثَلُ من يقرأ القرآن ولا يفهمه، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم يأمرهم فيه وينهاهم، ويدلهم على ما ينفعهم، ويحذرهم مغبة سلوك طريق معين لأن عدوهم فيه يتربص بهم، فعظموا الكتاب ورفعوه فوق رؤوسهم، وصاروا يتغنون بقراءة ما فيه، لكنهم سلكوا الطريق الذي نهاهم عنه فخرج عليهم العدو فقتلهم. ثانيًا: عدم فهم القرآن معناه زوال العلم وارتفاعه، فعن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنْ النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ)) فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟! فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ، إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟!)) قَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟! فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِنْ شِئْتَ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ؛ الْخُشُوعُ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعً(1). فزوال العلم يكون بعدم وجود من يقوم به، ويفهمه حق فهمه، وهو ذهاب أوعيته، ويكون بعدم العمل به، فمن لم يعمل بما علم فلا فائدة في علمه، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن العلم يرتفع من الناس مع أن أصله موجود، لكن لما لم يستفد الناس منه، ويفهموه حق فهمه كان وجوده وعدمه سواء. ثالثًا: الأجر العظيم والثواب الجزيل في فهم القرآن وتدبره، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ الْعَقِيقِ، فَيَأْخُذَ نَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ بِغَيْرِ إِثْمٍ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟)) قَالُوا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَلَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَإِنْ ثَلَاثٌ فَثَلَاثٌ مِثْلُ أَعْدَادِهِنَّ مِنْ الْإِبِلِ))(2). وإذا كان تعلم العلم هو أفضل الأعمال وأحبها، وأشرفها وأرفعها، فأعلى درجات العلم هو معرفة كلام الله وفهمه؛ لأن شرف العلم من شرف المعلوم، وكتاب الله أشرف شيء في الوجود، فتعلمه أشرف شيء وأرفعه. رابعًا: فهم القرآن حق فهمه سبب لوجود الألفة، واجتماع القلوب، وزوال الخلاف المذموم، الذي ينشأ عنه الافتراق والاقتتال، وعدم فهمه سبب لوجود الخلاف والشقاق؛ عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدث نفسه؛ كيف تحتلف هذه الأمة، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ فأرسل إلى ابن عباس، فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرآناه، وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا..(3) خامسًا: إن من أعرض عن تعلم القرآن وفهمه، فقد يبتليه الله تعالى بالانشغال عنه والانصراف إلى غيره؛ فإن الله أخبر في كتابه أن من جاءه العلم ثم أعرض عنه وهجره فإنه يورثه جهلاً ويصرف قلبه عن فهم العلم والتعلق به، قال تعالى عن اليهود: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ، واتبعوا ما تتلوا الشيطان على ملك سليمان** فهؤلاء اليهود لما جاءهم كتاب الله على لسان رسول الله الذي يعرفون وصفه ونعته كما يعرفون أبناءهم، فتركوه وأعرضوا عنه، ابتلاهم الله جل وعلا باتباع أرذل الكتب وأكذبها وأضرها وهو ما تتلوه الشيطان على ملك سليمان(4)، وقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون (10)** [سورة الروم 30/10]، فالله عاقبهم لما فعلوا الأمور السيئة، وارتكبوا الأحوال الشنيعة بالتكذيب والاستهزاء، ولو أنهم أصلحوا واستجابوا لجعل الله في قلوبهم التصديق والاتباع. وقد ذكرنا في محاضرة (أفلا يتدبرون القرآن) أن الاهتمام بالفهم لا يعني إهمال الحفظ، وتحسين القراءة، وضبط التجويد، بل هذه الأمور عليها ثواب جزيل، لكنها جمعيًا وسيلة لفهم القرآن. 2- تيسير القرآن للعباد.. يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17)** [سورة القمر 54/17]، فهذا القرآن العظيم قد سهل الله ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم؛ لأنه أحسن الكلام لفظًا، وأصدقه معنى، وأبينه تفسيرًا، فكل من أقبل عليه يسر الله عليه مطلوبه غاية التيسير، وسهله عليه، والذكر شامل لكل ما يتذكر به العالمون من الحلال والحرام، وأحكام الأمر والنهي، وأحكام الجزاء والمواعظ والعبر، والعقائد النافعة، والأخبار الصادقة، ولهذا كان علم القرآن حفظًا وتفسيرًا أسهل العلوم وأجلها، وهو العلم النافع الذي إذا طلبه العبد أعين عليه، قال بعض السلف عند هذه الآية: هل من طالب علم فيعان عليه(5)؟ ويقول الله جل وعلا: {فإنما يسرناه بلسانك لعلم يتذكرون**، ويقول سبحانه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً (97)** [سورة مريم 19/97]. فهذه نعمة عظيمة؛ فهل من مدكر؟ هل من متعظ؟ هل من مقبل على كلام الله يفهمه ويتعلمه؟ والله يعينه ويوفقه ويسدده.. 3- هل فهم القرآن وتدبره مقتصر على العلماء؟ فهم القرآن وتدبره ليس مقصورًا على العلماء، بل كل واحد لا بد أن يأخذ حظه من القرآن، بحسب ما ييسره الله له، وبحسب ما معه من الفهم والعلم والإدراك؛ فالله تبارك وتعالى دعا عباده كلهم إلى تدبر القرآن وفهمه، لم يخص طائفة بذلك دون طائفة، ولو كان فهم القرآن وتدبره مقتصرًا على فئة من الناس لكان نفع القرآن محصورًا عليهم، ولكان الخطاب في الآية موجهًا إليهم، وهذا معلوم البطلان. قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه؛ وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله(6). فالوجه الذي لا يعذر أحد بجهالته هو معرفة ما فيه من الأحكام الواضحة، والمواعظ الجلية المؤثرة، والحجج القوية البينة، والمعاني الكلية التي دلت عليها الآيات. فمثلاً حين تتأمل كلام الله، ماذا تجد؟ تجد معاني عظيمة، منها: أنك تجد ملكًا له الملك كله، وله الحمد كله، أزِمَّةُ الأمور كلها بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، مستويًا على عرشه، لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته، عالمًا بما في نفوس عبيده، مطلعًا على أسرارهم وعلانيتهم، منفردًا بتدبير المملكة، يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيى، ويقدر ويقضي ويدبر، الأمور نازلة من عنده، دقيقها وجليلها، وصاعدة إليه، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء... ثم تأمل كيف تجده يثني على نفسه، ويمجد نفسه، ويحمد نفسه، وينصح عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويرغبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، يذَكِّرهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها، ويحذرهم من نقمه، ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه(7)، إلى غير ذلك من الأمور الواضحة الجلية. فمثل هذا متيسر لكثير من الناس بحمد الله، لكنه يحتاج إلى شيء من التأمل، والنظر في بعض التفاسير النافعة المختصرة.. كما أن في القرآن من الكنوز والأسرار، والمعارف والعلوم ما يختص به أهل العلم، كل بحسبه؛ فأهل اللغة يعرفون من دقائق إعرابه وبلاغته وأوجه البيان فيه ما لا يعرفه غيرهم، والفقهاء يعرفون من أحكام الحلال والحرام فيه، وأوجه الاستدلال، وأنواع الأحكام، ما لا يعرفه غيرهم.. وهكذا.
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 35 (permalink) | |||
|
|
4- الخطأ في الفهم.. الوقوع في الخطأ عند تدبر القرآن وفهمه وارد، فإن الإنسان قد يفهم من الكلام معنى عامًا، ويكون المقصود ما هو أخص من ذلك، وقد يفهم منه معنى آخر غير المراد منه، وهذا قد وقع للصحابة رضي الله عنهم، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ)) فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا** فَقَالَ: ((لَيْسَ ذَاك الْحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاك الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ))(8). فتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحِسَابِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْحِسَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ(9). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ** قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟! قَالَ: ((لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ {لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ** بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ**))(10). والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن قد يكون الخطأ بسبب تقصير في النظر والتأمل، ومعرفة ما يجب معرفته، أو بسبب هوى في النفس؛ فإن بعض الناس يكون في نفسه معنى المعاني، أو يعتقد شيئًا من الاعتقاد، ثم يطلب ما يدل عليه من القرآن، فيفهم الآية على غير المقصود منها؛ لتوافق ما نفسه واعتقاده، والواجب على المسلم أن يكون همه طلب معرفة مراد الله تعالى ومقصوده، ولا يكون همه البحث عما يوافق ما في نفسه؛ فإن الفهم الصحيح "يمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى"(11). ثم إن الحديث عن فهم القرآن وتدبره ليس معناه أن المسلم يجعل من نفسه مفسرًا، يتكلم في معنى كل آية، دون نظر في تفاسير أهل العلم، وفهمها الفهم الصحيح؛ لأن التفسير معناه بيان مراد الله، وهذا مقام خطير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار))(12)، وقال أبو بكر الصديق: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟"، وعن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن: {يوم كان مقداره ألف سنة** فقال له ابن عباس فما: {يوم كان مقداره خمسين ألف سنة** ؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: "هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما"، فكرِه أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم، وعن عبيد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: "إذا حدثتَ عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده"، وعن إبراهيم قال: "كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه"، وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: قال الشعبي: "والله ما من آية إلا وقد سَأَلتُ عنها، ولكنها الرواية عن الله"، وقال مسروق: "اتقوا التفسير؛ فإنما هو الرواية عن الله". فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف تدل على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، أو أن يقولوا فيه برأيهم، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه(13). 5- الاختلاف في الفهم والتفسير.. قد يقع اختلاف في فهم الآية، وتجد عددًا من الأقوال في كتب التفسير، فلا تدري أي المعاني هو المراد، فتظن أنك لم تفهم المقصود من الآية، ولإزالة هذا الإشكال لا بد أن نبين أمرين مهمين: الأمر الأول: الفهم العام للآية لا يضر معه الاختلاف في بعض التفاصيل. أي أنك قد تكون فاهمًا الآية في الجملة، لكن لا تفهم معنى هذه الكلمة، أو لا تدري أي المعاني أصح، فهذا لا إشكال فيه، ويكفيك المعنى العام، وبخاصة إذا كانت معرفة المعنى الخاص مما لا يترتب عليه فائدة كبيرة، ومن أمثلة ذلك ما رواه أَنَس قال: "كُنَّا عِنْد عُمَر وَعَلَيْهِ قَمِيص فِي ظَهْره أَرْبَع رِقَاع, فَقَرَأَ : {وَفَاكِهَة وَأَبًّا** فَقَالَ: هَذِهِ الْفَاكِهَة قَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا الْأَبّ؟ ثُمَّ قَالَ: مَهْ نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّف" وفي لفظ آخر عَنْ أَنَس أَنَّهُ سَمِعَ عُمَر يَقُول: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا** الْآيَة، إِلَى قَوْله {وَأَبًّا** قَالَ: "كُلّ هَذَا قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الْأَبّ؟" ثُمَّ رَمَى عَصًا كَانَتْ فِي يَده، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا لَعَمْر اللَّه التَّكَلُّف، اِتَّبِعُوا مَا بُيِّنَ لَكُمْ مِنْ هَذَا الْكِتَاب،وَمَا لَا فَدَعُوهُ"(14). أما إذا ترتب على فهم المعنى الخاص أمر علمي فلا بد من معرفته، كما في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء**، فالمعنى الإجمالي للآية أن المطلقة تعتد بثلاثة أقراء، لكن اختلف أهل العلم في القرء ما هو؟ أهو الحيض أو الطهر، وهنا إن كان عندك معرفة بالفقه، وقدرة على الترجيح فأنت تنظر في أقوال أهل العلم، وتتعرف على أدلتهم، وإلا سألت من تثق في علمه. الأمر الثاني: التفريق بين اختلاف التنوع، واختلاف التضاد. اختلاف التنوع هو أن يكون لفظ الآية محتملاً لجميع المعاني المذكورة، ولا بأس أن تدل على الجميع، كقوله تعالى: {كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة** فبعضهم يقول: القسورة الرامي أي الصائد الذي يرمي الصيد، وبعضهم يقول هو الأسد، فيجوز أن يكون المراد هذا، ويجوز أن يكون المراد هذا. ومثاله أيضًا قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)** [سورة فاطر 35/32]، فبعض أهل العلم يفسر السابق بأنه الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثناء الوقت، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى اصفرار الشمس، وبعضهم يقول: السابق هو المحسن بأداء الصدقة والزكاة، فيؤدي الواجبات والمستحبات، والمقتصد هو المقتصر على الواجب وهو الزكاة، والظالم لنفسه هو آكل الربا، أو مانع الزكاة.. وهكذا. والآية تشمل كل هذه المعاني؛ فالسابق هو المسابق إلى فعل الخيرات كلها، فيتقرب بالمستحبات والواجبات، ويترك المحرمات والمكروهات، والمقتصد هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات، والظالم لنفسه هو المضيع للواجبات، المنتهك للمحرمات، وإنما يذكر أهل التفسير أنواعًا أو صورًا من الاقتصاد، والسبق، والظلم(15). وأما اختلاف التضاد فهو أن تكون المعاني المذكورة متقابلة، لا يمكن الجمع بينها، بل لا بد من ترجيح أحدها، مثل قوله تعالى: {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه** ما المراد بالقول في هذه الآية؟ هل كل قول فتكون أل للجنس، أم أن المقصود بالقول هو القرآن فقط، بدلالة أن الله إنما يذكره في أكثر من موضع بهذا اللفظ، كما في قوله: {أفلم يدبروا القول..**، وقوله: {إنه لقول رسول كريم..**. 6- معالم ترشدك إلى الطريق الصحيح للفهم. 1- وأتوا البيوت من أبوابها: علمنا الله في كتابه أننا إذا أردنا أن نفعل شيئًا أن نأتيه من الطريق السهل القريب، الذي جُعل موصلاً إليه، ونحن في طلبنا لفهم القرآن ينبغي أن نصل إليه من الطريق الواضح السهل، الذي يحصل به المقصود، وهذا الطريق الواضح قائم على ثلاثة أركان: الركن الأول: تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة. إن أولى ما فسر به القرآن بالقرآن، فإذا أردت أن تفهم القرآن حق الفهم فتأمل فيه كله، فانظر إلى سياق الآية كلها، وما قبلها وما بعدها، وأيضًا ابحث عن معنى الآية في سورة أخرى، فما وجدته مجملاً في مكان، ستجده مبينًا في مكان آخر، وما وجدته مختصرًا في مكان ستجده مبسوطًا في مكان آخر، وقد ذم الله من يتمسك ببعض الآيات دون بعض، أو يأخذ المتشابهات ويدع المحكمات، فقال تعالى: {أفتأمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض**، وقال: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله**. ومن أمثلة بيان القرآن بالقرآن: قوله تعالى: {فمن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا** ما المراد بذكره هنا؟ أهو القرآن، وما أنزله الله من الكتب الهادية؟ أو المراد ذكره بتسبيحه وتمجيده وتهليله؟ إذا تأملت سياق الآية كاملة ستجد أن المعنى المقصود هو الأول دون الثاني، قال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126)** [سورة طـه 20/123-126]. ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه**، ما هي هذه الكلمات، ورد بياناها في قوله تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين**. ومن أمثلته: قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده** ما المراد بالأشد هنا؟ لأن الأشد يتناول البلوغ، ويتناول ثلاثين سنة، وأربعين، وستين، وغير ذلك، لكن الله بين المراد بالأشد في حق اليتيم في سورة النساء بقوله: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم..**. ثم تأتي سنة النبي صلى الله عليه وسلم مبينة للقرآن، كما قال تعالى: {ونزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم** قال الشافعي رحمه الله: "كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله**، وقال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ**..". ثم أقوال الصحابة؛ لأنهم شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ما لم يشاهده غيرهم، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، عن ابن مسعود قال: "والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته"، وقال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"(16). فهم جمعوا العلم والعمل. الركن الثاني: معرفة أسباب النزول. فالقرآن مركب من حروف وكلمات، فدلالته دلالة لفظية، والدلالة اللفظية تتوقف معرفتها في كثير من الأحيان على معرفة مقتضيات الأحوال، وحال المخاطب والخطاب، والجهل بأسباب النزول موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال، سأل بُكير نافعًا مولى ابن عمر: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: "يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين". ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ** [سورة المائدة 5/93]، فبعض الناس يفهم أن ظاهر هذه الآية يدل على إباحة الخمر؛ لأن الله رفع الجناح عن المؤمن فيما طعم إذا هو اتقى الله تعالى، لكن سبب النزول يدل على المعنى المراد، فعن الْبَرَاءِ قَالَ: مَاتَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، فَلَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ قَالَ رِجَالٌ: كَيْفَ بِأَصْحَابِنَا وَقَدْ مَاتُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؟ فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..**(17). فمعرفة سبب النزول يدلك على المعنى الصحيح، وليس معنى سبب النزول أن الآية مقتصرة على الأشخاص الذين نزلت فيهم، بل هي تتناولهم وتتناول من كان في منزلتهم. الركن الثالث: معرفة اللغة العربية. القرآن نزل بلسان عربي مبين، فمن أراد أن يفهمه حق الفهم فإنه محتاج إلى معرفة اللغة العربية، ومعرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل. وبناء على ذلك فإذا أردنا تفسيرًا يكون معنا دائمًا، ويرشدنا إلى المعنى الصحيح في الجملة، فإننا نختار من التفاسير ما تكون له عناية بهذه الأمور الثلاثة؛ مثل تفسير ابن كثير، وتفسير ابن سعدي، وهذان التفسيران يعينان على فهم المعنى. وهناك تفاسير معاصرة جيدة، فيها ترتيب وتنسيق، فتذكر معاني الكلمات، ثم المعنى الإجمالي، ثم تذكر الفوائد من الآيات كتفسير وهبة الزحيلي، وتفسير الجزائري، وكلها إن شاء الله فيها خير ونفع. والتفاسير بحمد الله كثيرة، وجميعها مشتملة على أمور نافعة، لكن بعضها قد يكون لصاحبة اعتقادات فاسدة ربما أفسد عليك المعنى وأنت لا تشعر، أو دلك على معنى باطل، وبعضها مطول، فتراه يطيل النفس في مباحث لغوية، أو أصولية، أو فقهية، أو يحكي إسرائيليات لا حقيقة لها، لكن إذا كنت تريد أن تعرف معنى بعض الآيات على التفصيل، وترى ما قيل في معناها، فإنك ترجع إلى هذه التفاسير، وترى كلام أهل العلم. 2- اشتغل بالنافع المفيد، ودع ما لا فائدة فيه: يقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)**. فالمسؤول عنه في هذه الآيات هو الأهلة، لكن لم يذكر الله تعالى عن أي شيء سألوا، فربما سألوا عن سبب كونها تبدو أول الشهر هكذا، ثم تكبر، أو سألوا عن فائدة كونها كذلك، أو سألوا عن الهلال ذاته كيف هو، فجاء الجواب ببيان الفائدة من الأهلة، وهو أنها دلائل يستدل بها الناس على الأوقات. فإذا قرأت سورة الكهف مثلاً، فلا تشغل نفسك بتفاصيل القصة التي لم يذكرها القرآن مما لا فائدة منها، كلون كلبهم، ومكان وجودهم، وعددهم، ونحو ذلك، ولكن تأمل ما في القصة من الحكم والمواعظ، من قدرة الله وعجيب تصريفه للأمور، و حفظه لعباده المؤمنين، ورفعه لدرجاتهم، وأنه يحيى الموتى، وغير ذلك من فوائد القصة، وقد علمنا الله هذا الأدب في نفس السورة حين قال: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً (22)** [سورة الكهف 18/22]، أي: لا تجادل أحدًا في عددهم إلا أن يكون كلامك مبنيًا على العلم واليقين، أما المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها فلا تشغل وقتك بها، ولا تسأل أحدًا منهم عن عددهم؛ لأنهم يتكلمون بغير علم ويقين. وهكذا في غير ذلك من الآيات...
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 36 (permalink) | |
|
|
حكم قراءة البسملة اتفق العلماء على أن البسملة آية من آيات القرآن الكريم واختلفوا في حكمها بعد ذلك هل هي آية من كل سورة وردت في أولها ؟ أم هي آية من سورة النمل فقط ؟ أم هي آية في أول سورة الفاتحة ؟ قال عاصم وقالون الكسائي وابن كثير : بقراءة البسملة بين كل سورتين ما عدا سورة براءة , وقال حمزة : بعد قراءتها بين السورتين : وسئل نافع عن قراءة البسملة في أول سورة الفاتحة فأمر بها وقال : أشهد أنها آية من السبع المثاني وأن الله أنزلها . واستدل القائلون بقراءة البسملة بين كل سورتين ما عدا براءة بما روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) كما استدلوا على ما ذهبوا إليه بثبوتها في المصحف بين جميع السور ما عدا سورة براءة . واستدل القائل بعد قراءة البسملة بين السورتين بما يأتي : أولا : يقول ابن مسعود رضي الله عنه كنا نكتب باسمك اللهم فلما نزلت ( بسم الله مجريها )(هود 41) كتبنا : ( بسم الله ) فلما نزل قوله تعالى ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياًّ مَّا تدعوا فله الأسماء الحسنى )(الإسراء 110) كتبنا : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فلما نزلت آية النمل ( إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم )(النمل 30) . كتبناها فهذا دليل على أنها لم تنزل في أول كل سورة من السور . ثانيا : واستدل القائل ثانياً بعدم قراءة البسملة بأن كل سورتين كآيتين في عدم البسملة وقد جاز الوصل بين آيتين فكذلك السورتان ويكفي بسملة الفاتحة . أما ورش وأبوعمرو وابن عامر فقد قالوا : إن القارئ مخير بين السكت والوصل . أما الوصل : فقد استدلوا على جوازه بما استدل به القائلون بالسكت بين السورتين . وأما السكت : فإن آخر السورة الأولى وأول السورة الثانية آيتان وسورتان وفيه إشعار بالإنفصال لكنهم رجحوا واستحسنوا السكت في أربع سور وهن ما أوله لا , وذلك ما جاء في قوله تعالى : في آخر سورة المدثر ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) ذكر بعدها مباشرة قوله تعالى ( لا أقسم بيوم القيامة )(القيامة 1) وكرهوا ذكر لا بعد ذكر الجنة في مثل قوله تعالى : في آخر سورة الفجر ( فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) ذكر بعدها مباشرة ( لا أقسم بهذا البلد )(البلد 1) وكرهوا الوصل بين قوله تعالى ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله )(الانفطار 19) , وبين قوله ( ويل للمطففين )(المطففين 1) كما كرهوا الوصل بين قوله ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )(العصر 3) وبين قوله ( ويل لكل همزة لمزة )(الهمزة 1) والكراهة إنما هي للتلاصق لا للبس وأما السكت فلحصول الفصل الدافع للتوهم . واتفق جميع العلماء على عدم البسملة وصلاً وابتداء بين سورتي الأنفال وبراءة لأن البسملة أمان وبراءة ليس فيها أما لنزولها بالسيف أو لأن قصة إحدى السورتين شبيهة بقصة الأخرى وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البيان فظن وحدتهما . وهذا القول مردود , لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز له أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة , كما قال علماء أصول الفقه , وخاصة فيما يتعلق بالقرآن الكريم . والصحيح ما ذكر السيوطي في كتابه الإتقان أن التسمية لم تكن فيها , لأن جبريل لم ينزل بها . وقد اتفق القراء على الإتيان بالبسملة في أول سورة ما عدا سورة براءة أما أجزاء السور في غير براءة فالقارئ مخير فيها بين الإتيان والترك . وقال : وليحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة غير براءة , لأم أكثر العلماء نص على أنها آية فإذا أخل بها القاريء كان تاركاً لبعض الختمة عند الأكثرين وإذا قرأ من أثناء السورة استحب له ذلك أيضاً . وبعد أن ذكرنا آراء علماء القراءات في حكم البسملة , نذكر الآن رأي الفقهاء في حكم البسملة هل هي آية من سورة النمل فقط ؟ أن آية من الفاتحة ؟ أم آية من القرآن الكريم ؟ ونذكر آراء الفقهاء وأدلتهم وما يترتب على هذا الخلاف من أثار فقهية مستعينين بالله تعالى في بيان هذا الخلاف : آراء الفقهاء في حكم البسملة رأي أي حنيفة : يرى الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أن البسملة آية تامة من القرآن الكريم أنزلت للفصل بين السور وليست آية من الفاتحة . رأي مالك : ويرى الإمام مالك رضي الله عنه أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من شيء من سور القرآن . رأي الشافعية والحنابلة : ويرى الشافعية والحنابلة رضي الله عنهما أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة . دليل الحنفية : واستدل الحنفية على ما ذهبوا إليه بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فضل السورة , وأنها قد انتهت حتى ينزل عليه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) واستدلوا بالأحاديث الواردة التي تدل على عدم قراءة البسملة في الصلاة الجهرية قبل قراءة الفاتحة وحكموا بأن البسملة آية من سورة النمل وهي آية من القرآن الكريم وليست آية من الفاتحة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وكثيراً من أصحابه رضي الله عنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة أثناء صلاتهم . كما قالوا : إن كتابة البسملة في المصحف يدل على أنها من القرآن ولكن هذا لا يدل على أنها آية من كل سورة واستدلوا على قرآنيتها بتنزيلها . وقالوا : إن مجرد تنزيل البسملة يستلزم قرآنيتها . وقال الجصاص في كتابه أحكام وهو حنفي المذهب : وقد اختلف العلماء في البسملة أهي آية من الفاتحة أم لا ؟ فعدها قراء الكوفة آية منها ولم يعدها قراء البصريين . وقال : وحكي شيخنا أبوالحسن الكرخي عدم الجهر بها وهذا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة ومذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر بها ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها . ثم يقول : ومما يدل على أنها ليست من أوائل السور ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سورة في القرآن ثلاثون آية شفهت لصاحبها حتى غفر له ( تبارك الذي بيده الملك ) , وقال الترمذي هذا حديث حسن . ولو كانت البسملة آية من سورة الملك لكانت ‘حدى وثلاثين آية وهذا يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عد السورة ثلاثين آية فقط يدل على أن البسملة ليسة آية من الفاتحة أو من أوائل السور , إجماع القراء والفقهاء على أن سورة الكوثر ثلاث آيات ولو كانت البسملة آية منها لكان عدد آياتها أربع آيات لا ثلاث . وعلى هذا القول تكون البسملة عند الحنفية ليست من الفاتحة ولا من أوائل السور وإنما جيء بها للفصل بين السور فقط وهي آية من القرآن الكريم فقط . دليل المالكية : واستدل المالكية على ما ذهبوا إليه بأن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من القرآن وإنما جيء بها للتبرك فقط بالأدلة الآية : استدلوا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون ( بالحمد لله رب العالمين ) وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : قمتُ وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إذا افتتح الصلاة . وفي هذا الحديث دليل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة أو من القرآن الكريم لأنها لو كانت من الفاتحة أو القرآن لسمعها الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكن ثبت أن أبابكر وعمر وعثمان كانوا لا يقرءون البسملة فإن هذا يدل على عدم ثبوتها آية من الفاتح أو القرآن كما استدلوا أيضاً بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عزوجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل , فإن قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ) قال الله تعالي : حمدني عبدي . وإذا قال العبد ( الرحمن الرحيم ) قال الله تعالى : أثنى علي عبدي . وإذا قال العبد ( مالك يوم الدين ) قال الله تعالى : مجدني عبدي . فإذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال ( إهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغصوب عليهم ولا الضالين ) قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . ووجه الدلالة من هذا : أن قوله عزوجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي , يريد بالصلاة هنا : الفاتحة وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بالفاتحة فلو كانت البسملة آية من الفاتحة لذكرت في هذا الحديث القدسي الشريف . واستدل المالكية أيضا بقولهم : لو كانت البسملة آية من الفاتحة لكان هناك تكرار في ( الرحمن الرحيم ) في وصفين : واصبحت السورة هكذا ( بسم الله الرحمن الرحيم )( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم ) وذلك مخل ببلاغة النظم الكريم . كما استدلوا أيضا بقولهم : إن كتابة البسملة في أوائل السور وإنما هو للتبرك : ولامتثال الأمر بطلبها والبدء بها في أوائل الأمور وهي وإن تواترت كتابتها في أوائل السور فلم يتواتر كونها قرآناً فيها . ويقول ابن العربي : ويكفيك أنها ليست من القرآن إختلاف الناس الناس فيها والقرآن لا يختلف فيه والأخبار الصحاح التي اتفق عليها العلماء ولم يَرِد عليها طعن تدل على أن البسملة لسيت آية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها . ثم يقول : إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم وهو المنقول وذلك أن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور , ومرت عليه الأزمنة والدهور , من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان الإمام مالك رضي الله عنه ولم يقرأ فيه أحد قد ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إتباعاً للسنة . بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل , وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها . دليل الشافعية والحنابلة : استدل الشافعية والحنابلة على أن البسملة آية من الفاتحة بما يأتي : عن قتادة رضي الله عنه قال : سئل أنس كيف كانت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام فقال : كانت مدا ثم قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم . وهذا الحديث يدل على مشروعية قراءة البسملة وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد قراءته في البسملة وقد استدل بهذا الحديث القابلون بقراءة البسملة في الصلاة , لأن كون قراءته على الصفة التي وصفها أنس تستلزم سماع أنس لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ذكره أنس يدل على مطلق قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة أو خارجها . واستدلوا أيضا بما روته السيدة أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( الحمد لله رب العالمين ) وعد البسملة آية من الفاتحة . كما أن الصحابة رضوان الله عليه أجمعين أثبتوا البسملة فيما جمعوا من القرآن وكتبوها في المصحف من غير أن ينكر عليهم أحد صنيعهم فدل ذلك على أن البسملة آية من الفاتحة . المناقشة يتضح لنا مما ذكرناه من أدلة الفقهاء أن كل واحد منهم حاول أم يؤكد رأيه بما ذكره من أدلة فيرى أبوحنيفة فيما ذهب إليه أن البسملة آية من القرآن الكريم وقال الشافعية والحنابلة أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة أنا الإمام مالك رضي الله عنه فقد قال : إن البسملة ليست آية من الفاتحة أو من القرآن ما عدا ما جاء في سورة النمل . ونرى من أدلة الفقهاء التي ذكرنا بعضاً منها أن رأي المالكية قد جانب الصواب وقولهم يحتاج إلى نظر إذ ليس بلازم أن يقال في كل آية أنها قرآن ويتواتر ذلك بل يكفي أن يقرأها الرسول صلى الله عليه وسلم ويأمر الكتبة بكتابتها في المصحف ويتواتر ذلك عنه . وقد أجمعت الأمة الإسلامية على أن جميع ما في المصحف الشريف , من القرآن الكريم وصار ذلك إجماعاً منهم على أن البسملة آية من القرآن ونرى المالكية قد استدلوا بحديث أنس بن مالك الذي ذكر فيه أنه صلى خلف الرسول صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وكانوا جمعياً يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ونلاحظ أن أبابكر كان من بين الصحابة الذين لا يقرؤن البسملة وكذا عثمان . وقد جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه وكانت البسملة فيه ثم نسخ المصحف في عهد سيدنا عثمان وكتبت البسملة في أول الفاتحة وأول كل سورة ولم ينكر عثمان كتابة البسملة في المصحف الشريف . أما الأحاديث الواردة بعدم سماع الصحابة لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم أو الأحاديث الواردة المؤكدة لسماع الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم أثناء البسملة . فإننا نرى أن مَن أثبت البسملة لسماعه الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء القراءة فهذا محمول على قرب هذا الصحابي من الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء القراءة فهذا محمول على قرب هذا الصحابي من الرسول صلى الله عليه وسلم أما من لم يسمع منه البسملة فقد كان ذلك لبعده عنه أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها سرا أو كان يقرؤها بصوت مرتفع . والصحابة لم يسمعوها لأنهم كانوا مشغولين , بالنية والتكبير . ما يترتب على هذا الخلاف من أثار فقهية لقد رأينا أن الفقهاء اختلفوا في حكم البسملة هل هي آية من الفاتحة ؟ أو من كل سور ؟ أو ليست من القرآن ؟ وقد ذكرنا أدلة كل فريق من هؤلاء ورأينا أن الباعث على اختلافهم هو تعارض الآثار الواردة في هذا والذي يترتب على هذا الخلاف أن من جعل البسملة آية من القرآن ولم يجعلها من الفاتحة على وجه الخصوص لم يوجب قراءتها في الصلاة , وإنما تقرأ على سبيل الإستحباب فقط وهذا مذهب الحنفية . أما من يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة من سور القرآن الكريم فإنه أوجب قراءة البسملة في الصلاة عند قراءة الفاتحة وهذا هو مذهب الشافعي وأحمد وعلى ذلك فإن الصلاة لا تبطل بسبب ترك البسملة إلا عند الشافعي وأحمد رضي الله عنهما . أما مالك وأبوحنيفة فلا تبطل الصلاة عندهما بسب ترك البسملة . الترجيح |