نحمد الله تعالى حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه، كما يحب ويرضى،فهو مستحق الحمد وأهله، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [الحديد:3].
أحبتي الكرام..
كثيراً ما نسمع ونقول: رمضان شهر الانتصارات، فإذا أردنا أن نعدد الانتصارات هذه قلنا: معركة بدر ، وفتح مكة ، وعين جالوت ، وكذا وكذا، لكن أين انتصارات رمضان في هذه السنوات؟! أين انتصارات رمضان في هذه الأزمنة المتأخرة؟! هل عقمنا فأصبحنا مثل التاجر الذي أفلس فأصبح يفتش في دفاتره القديمة؟! ليس عندنا أمجاد نتكلم عنها الآن، وليس عندنا انتصارات في هذا الوقت، أين انتصاراتنا في رمضان في هذا العام؟!
الصيام انتصار للحق وللتقوى
لكن هذا لا يمنع أن نتحدث عن ألوان دون ذلك من الانتصار، مثلاً: في حقيقة الأمر أن صيام رمضان انتصارٌ كبير يسجل في كل بلد، بل في كل بيت، بل في كل نفس تصوم لله تعالى؛
لأن رمضان انتصارٌ للحق في نفسك، وانتصار للتقوى في قلبك، فأنت تطيع الله تعالى فتمسك عن أمرٍ؛ فدواعي الشهوة تقول لك: هلم إليَّ، فتقول: معاذ الله! إنه ربي أحسن مثواي، فتقلع عن الطعام والشراب والشهوة التي منعك الله تعالى منها في نهار رمضان، وهذا انتصار.
الانتصار على الشياطين
ثمة انتصار آخر، وهو انتصار العبد على الشيطان، فإن الشياطين يسلسلون في رمضان فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون فيه في غير رمضان، ولذلك تجد أن كثيراً من أصحاب المعاصي يقبلون على الله ويقلعون عما كانوا عليه، وهذا أيضا ًانتصار آخر.
الانتصار على النفس
هناك انتصار ثالث، وهو الانتصار على شهوات الدنيا وملذاتها وعلى أهواء النفس، وهذا مؤذنٌ بالنصر الكبير؛ فإن الإنسان الذي استطاع النصر على نفسه فيمتنع عما تحب وتهوى طاعة لله تعالى؛ يرشحه ذلك أن ينتصر على عدوه في المعركة الكبرى؛ معركة الإسلام مع خصومة.
التغريب والتخريب
هناك أيضاً انتصار من نوع آخر، وهو أن شهر رمضان انتصار على محاولات التخريب والتغريب التي تغزو العالم، وتحاول طمس معالم الدين.. نعم! رمضان انتصارٌ على محاولات التغريب والتخريب، فمثلاً: الأعداء يحاولون أن يغيروا المجتمع الإسلامي والمجتمع العربي، ويطمسوا الهوية الإسلامية في بلاد المسلمين، ويحاولون أن تتحول بلاد الإسلام إلى صورة من النمط الغربي، وقد قطعوا في ذلك شوطاً كبيراً خاصة وأجهزة الإعلام بأيديهم، لا أقول العالم الإسلامي فقط، بل العالم كله.
فهم من خلال هذا الغزو الإعلامي الكاسح يحولون المجتمع إلى مجتمع غربي، والعالم الإسلامي مستهدف منذ زمن بعيد من خلال البث التليفزيوني؛ من خلال الصحف والمجلات، من خلال الغزو البشري المباشر، آلاف بل مئات الآلاف من الجنود المجندين والمجندات؛ ليسوا بالضرورة الذين يلبسون الألبسة العسكرية، بل قد يكونون خبراء وقد ويكونون موظفين، وقد يكونون تجاراً وقد يكونون مبشرين علانية ودعاة إلى النصرانية وإلى التنصير وإلى التخريب والتغريب، هذه الجموع الغفيرة وهذه الوسائل الضخمة تستهدف أن تزيل آثار الإسلام في المجتمعات.
وقد رأينا هذا واضحاً جداً، فرأينا أن المسلمين في بلاد الإسلام قد أصبح الزي الرسمي للفتاة الذي تذهب به للمدرسة ثوباً إلى ما فوق الركبة، ورأينا أن الفتاة المسلمة لا أقول اليهودية أو النصرانية ، لا! بل المسلمة رأينا أنها تمشي بثياب لا تستر إلا نصف فخذها، وقد ظهر شعرها ووجهها ونحرها وذراعاها وعضداها، وجزء من صدرها وساقاها، وجزء من فخذيها! وهي تمشي بثياب ضيقة هكذا في الشارع، أو في المدرسة، أو في المطعم، أو في أي مكان، فضلاً عن المرقص أو مكان السينما أو الملهى.
فإذا سَمِعَت المنادي للصلاة ينادي ذهبت إلى المسجد، فوجدت في المسجد ثياباً مخصصة، تلففت بها ثم صلت، فإذا انتهت من الصلاة خلعت هذا الثوب، ورجعت إلى ما كانت عليه في عملها السابق.
إذاً هنا أفلح العدو في تغريب المجتمع، وهو يحاول في هذا المجتمع بالذات؛ لأنه لا يزال يتشبث ببعض أخلاقيات الإسلام وقيمه وسلوكياته، فالغرب يركز على هذا المجتمع بالذات، لمحاولة تغريبه وتغييره، ولكنه لن يفلح بإذن الله تعالى ولن يصل إلى ما يريد، فإذا جاء رمضان تغير كثير مما كانوا يصنعون، تغيرت أخلاقيات الناس، تغيرت عاداتهم، تغيرت اتصالاتهم، أقبلوا على الذكر وعلى المساجد حتى في البلاد التي تأثروا فيها، كبلاد تركيا مثلاً أو ماليزيا ، أو أندونيسيا ، أو بلاد المغرب أو غيرها من البلاد تغير الناس كثيراً وأقبلوا على المساجد وعلى الذكر، وأصبحت الخمور لا تدار علانية، وأصبح الناس لا يمشون في الشوارع كما كانوا بالأمس، إلا وعليهم آثار التدين.
فرمضان من الشعائر والمعالم التي لا تزال تصارع جهود أعداء الإسلام وتقاومها، يشبهها في ذلك الأذان باعتباره شعيرة من الشعائر الظاهرة، فبعض البلاد إذا دخلتها لا تجد آثار الإسلام فيها إلا في المآذن، فإذا جاء وقت الصلاة سمعت ضجيج المآذن، فعرفت أن هذا بلد إسلامي! أما فيما سوى ذلك فلا تكاد تميزه عن غيره من البلاد بشيء، فرمضان انتصار على محاولات التغريب والتخريب.
انتزاع الشباب من الفساد إلى المسجد
كما أنه انتصار كذلك في أنه ينتزع وينتشل في كل عام من وهدة الفساد والانحلال أعداداً من شباب المسلمين وفتياتهم؛ فينقلهم إلى المساجد، وإلى حلق الذكر، وإلى دروس العلم؛ فيكونون من الصالحين الأوابين الأواهين المستقيمين.
واعلموا..
انه لا يكفي للصلاح والانتصارات مجرد الالتزام بالمظهر فحسب، بل لا بد من العناية بالقلوب وإصلاحها، وتذكر أن العبادات كلها إنما شرعت لإصلاح القلوب، فالصيام مثلاً شرع لصلاح القلب، وفرقٌ بين صائم تجده صام سمعه وبصره ولسانه فهو خاشع متعبد منفق أواب قارئ للقرآن ذاكر لله تعالى غاض لبصره، وبين آخر صائم ولكنه إما نائم، أو سهران على ما حرم الله من الأصوات والصور، أو مشتغلٌ بأعراض الناس، أو يسب ويشتم، أو يرفع صوته بالبذاءة على أهله وعلى زملائه في العمل وعلى المراجعين وعلى غير ذلك، أو يهمل عمله ولا يقوم به، أو يؤذي جيرانه؛ فلا يزيده الصيام إلا سوءاً وبعداً وإعراضاً وقسوة في قلبه.
خذ مثالاً آخر: العمرة وهي من الأعمال التي يكثر الناس من فعلها في رمضان، هناك فرقٌ بين معتمر ذهب لذكر الله تعالى والطواف بالبيت العتيق، وتعظيم شعائر الله، وتعاهد مقامات إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذكر الله وطلباً للأجر {الصلاة فيه بمائة ألف صلاة} كما في صحيح البخاري ، وبين آخر ذهب إلى العمرة فعلاً، لكن ذهب: إما للفخر، وإما عادة، وإما للترفيه والتسلية، أو ذهب مع أهله استجابة لطلب البنين والبنات! فيذهب هناك للأحاديث والكلام، وتنويع المآكل والمشارب والمطاعم، وربما يذهب الأولاد والبنات والأسرة، فيتركهم هناك في مثل تلك الأجواء التي هي فرصة بلا شك مع الإهمال لحصول لقاءات بين البنات والأولاد في الشوارع بعد صلاة الفجر: في المصاعد، في اللقاءات عبر النوافذ، عبر البلكونات، عبر الهواتف، بل عبر الركوب في السيارات، وقد رأينا وسمعنا وعرفنا من ذلك شيئاً كثيراً يندى له الجبين.
وكثير من الآباء يذهبون ويهملون أولادهم وأسرهم هناك، وربما لا يراهم قط، وربما يمنع الأهل من الذهاب إلى الحرم ثم يتركهم في الشقة لا يدري ماذا يصنعون، ولا ماذا يعملون، ولا إلى أين يذهبون، وربما يذهبون للأسواق كثيراً؛ فالبنات يقولون: الأم لها أغراض، ونحن لنا أغراض أخرى، والشباب كذلك، والشوارع ممتلئة وكثير من شوارع مكة ضيقة أزقتها، فيحصل من جراء ذلك شر مستطير، وقد يقع في هذا بعض الخيرين والخيرات، وأقولها بلسان عربي مبين ولا أقولها عن توقع أو ظن، فما بالك بمن لم يتربوا أصلاً على أجواء طيبة؟ ولم يتلقوا توجيهاً سليماً، وقد يكون في نفوسهم مرض الشهوة، وقد يكون في قلوبهم هيجان، وقد يكون فترة المراهقة والشباب مع الإهمال والترك، فيحصل من جراء ذلك شيءٌ كثير.
فينبغي التفطن إلى أن هذه العبادات والأعمال إنما شرعت لإصلاح القلوب، وينبغي ألا تحجب عما شرعت له وأن نقبل على إصلاح قلوبنا في هذا الشهر الكريم، فهو موسم مبارك لمن أراد أن يتقرب من ربه عز وجل؛ فإن القلب يكون فيه إقبال، ويكون فيه انكسار، والنفس يكون فيها برود عن المعصية وإقبال على الطاعة، والشياطين قد سلسلوا.. فما الذي يحول بينك وبين الله عز وجل؟! فأقبل على الله تعالى؛ فإن الله تعالى يقول: يا باغي الخير أقبل وهلم، ويا باغي الشر أدبر.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الأبرار الأخيار الأطهار.. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
للشيخ/ سلمان بن فهد العودة