لكن إن كان الصائم يخشى على نفسه من الانزال بالتقبيل ونحوه او من التدرج بذلك إلى الجماع لعدم قوته على كبح شهوته فإن التقبيل ونحوه يحرم حينئذ سدا للذريعة وصونا لصيامه عن الفساد. ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المتوضئ بالمبالغة بالاستنشاق إلا ان يكون صائما خوفا من تسرب الماء إلى جوفه.
واما الانزال بالاحتلام او التفكير المجرد عن العمل فلا يفطر لأن الاحتلام بغير إختيار الصائم . واما التفكير فمعفو عنه لقوله صلى الله عليه وسلم :" إن الله تجاوز عن امتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل او تتكلم". متفق عليه.
الثالث: ألاكل والشرب , وهو إيصال الطعام ظاو الشراب إلى الجوف من طريق الفم او الانف أيا كان نوع المأكول أو المشروب , لقوله تعالى:" وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلي الليل" والسعوط في الانف كالاكل والشرب لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث لقيط بن صبرة :" وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ". رواة الخمسة وصححه الترمذي. فأما شم الروائح فلا يفطر لأنه ليس للرائحة جرم يدخل إلى الجوف.
الرابع : ما كان بمعنى الاكل والشرب وهو شيئان :
أحدهما : حقن الدم في الصائم مثل ان يصاب بنزيف فيحقن به دم فيفطر بذلك لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب , وقد حصل ذلك بحقن الدم فيه ( هذا ما كنت اراه من قبل ثم ظهر لي أن حقن الدم لا يفطر لأنه ليس أكلا ولا شربا ولا بمعناهما والاصل بقاء صحة الصوم حتى يتبين فساده ومن القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالشك.
الشي الثاني : الإبر المغذية التي يكتفي بها عن الاكل والشرب فإذا تناولها أفطر لأنها وإن لم تكن أكلا وشربا حقيقة فإنها بمعناهما , فثبت لها حكمهما . فأما الإبر غير المغذية فإنها غير مفطرة سواء تناولها عن طريق العضلات او عن طريق العروق حتى ولو وجد حرارتها في حلقه فإنها لا تفطر لأنها ليست أكلا ولا شربا ولا بمعناهما فلا يثبت لها حكمهما ولا عبرة بوجود الطعم في الحلق في غير الاكل والشرب ولذا قال فقهاؤنا : لو لطخ باطن قدمه بحنظل فوجد طعمه في حلقه لم يفطره وقال شيخ الاسلام ابن تميمة رحمه الله في رسالة ( حقيقة الصيام ) ليس في الادلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى الدماغ او بدن او ما كان داخلا من منفذ او اصلا إلى جوف ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الاقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله قال: وإذا لم يكن دليل على تعليق الله ورسوله الحكم على هذا الوصف, كان قول القائل : إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مفطرا بهذا قولا بلا علم انتهى كلامه رحمه الله .