206- وقال له رجل : إنك لتحب الدنيا . فقال : أين السائل عن الآخرة ؟ قال : هأنا ، قال : أخبرني أيها السائل عنها ، أبالطاعة تنال أم بالمعصية ؟ قال : لا ، بل بالطاعة ، قال : فأخبرني عن الطاعة ، أبالحياة تنال أم بالممات ؟ قال : لا ، بل بالحياء ، قال : فأخبرني عن الحياة ، أبالقوت تنال أم بغيره ؟ قال : لا ، بل بالقوت ، قال : فأخبرني عن القوت ، أمن الدنيا هو أم من الآخرة ؟ قال : لا ، بل من الدنيا ، قال : فكيف لا أحب دنيا قُدِر لي فيها قوت أكتسب به حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة ؟! فقال الرجل : أشهد أن ذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحراً ) .
207- ودعني أداري الحب من كل جانب == فليس لها مني سبيل ومهربُ
وحَمَلتني ما لا تطيق جوارحي == فَسِرُك في الأحشاء مني مُغيبُ
208- الجاهل رأى الذنب في الخطيئة ، فنظر بالغلظة إليه ، والعارفُ عرف موقعه منه ، فنظر بالشفقة عليه.
209- إلهي حجتي عندك عَلمي بأن الحجة لك .
210- إذا أحب الله عبداً ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن رضي اصطفاه ، وإن سخط نفاه وأقصاه .
211- أشهد أن السموات آيات بينات ، وشواهد قائمات ، كل يؤدي عنك بالحجة ، ويُقر لك بالربوبية ، وهي موسومة بآثار قدرتك ، ومعالم تدبيرك التي تجليت بها لخلقك ، وأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما آنسها من وحشة الفكر ، ورجم الظنون فهي على اعترافها بك ، وَوَلهِها إليك ، شاهدة بأنك لا تُحيط بك الصفات ، ولا تحُدك الأوهام .
212- الاقتصاد في العيش ضيعة لم تتكلف منها : تمتع القلوب في الدنيا غفلتها عن الآخرة ، الزهد حلو مُر ، أما حلاوته فاسمه والمذاكرة به ، وأما مرارتُه فمعالجته .
213- اللهم إني جعلت الاعتراف بالذنب وسيلة لي إليك واستظللت بتوكلي عليك ، فإن غفرت فمن أولى بذلك منك ، وإن عاقبت فمن أعدل في الحكم منك ؟
214- اللهم إني لا أيأس من نظرك ورحمتك بعد مماتي ولم تولي غير الجميل في حياتي ، تَتابع إحسانك إلي يدلني على تفضلك علي ، فكيف يشقى من أسلفته جميل النظر ؟
215- اللهم إن نظرت إلي بالهلكة عيون سُخطك فلم تغفل عن استنقاذي منها عيون كرمك ، اللهم إن كنت غير مستاهلٍ لكرمك ومعروفك فكن أهلاً للتطول ، فإن الكريم ليس يضيع معروفه عن جميع مستحقيه.
216- إلهي إن كان ذنبي عرضني لعقابك ، فقد رجوت الدنو برجائي من ثوابك ، لولا ما اقترفته من الذنوب ما خفت من العقاب ، ولولا ما عرفتُ من الكرم ما رجوتُ الثواب .
217- جاء إلى شيراز يحيى بن معاذ الرازي وله شيبة حسنة ، وقد لبس دست ثياب أسود ، فكان أحسن شيء ، فصعد الكراسي فاجتمع إليه الناس ، وأول ما بدأ به أنشأ يقول :
مواعظ الواعظ لن تقبلا == حتى بعيها لُبُه أولا
يا قوم من أظلم من واعظ == خالف ما قد قاله في الملا
أظهر بين الناس إحسانَه == وبارز الرحمن لما خلا
وسقط عن الكرسي ، وغي عليه ولم يتكلم في ذلك اليوم ، ثم إنه ملك قلوب أهل شيراز بعد ذلك ، حتى إذا أراد أن يُضحكهم ، وإذا أراد أن يُبكيهم أبكاهم .
218- العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم .
219- إنما يذهب بها العلم والحكمة إذا طلبت بهما الدنيا .
220- يا صاحب العلم قصوركم قيصرية ، وبيوتكم كسروية ، وأثوابكم ظاهرية ، وأخفافكم جالوتية ، ومراكبكم قارونية ، وأوانيكم فرعونية ، ومآثمكم جاهلية ، ومذاهبكم شيطانية ، فأين الشريعة المحمدية ؟
221- ما أعرف حبه تزن جبال الدنيا إلا الحبة من الصدقة .
222- الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء ، وأسنانه لقم الحلال .
223- فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها تزداد إلا قلة ، حسن الوجه مع الصيانة وحسن القول مع الديانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء .
224- جاهد نفسك بأسياف الرياضة ، والرياضة على أربعة أوجه : القوت من الطعام ، والغمض من المنام ، والحاجة من الكلام ، وحمل الأذى من جميع الأنام ، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ، ومن قلة المنام صفو الإرادات ، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ، ومن احتمال الأذى البلوغ على الغايات ، وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء والصبر على الأذى ، وإا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام وهاجت منها حلاوة فضول الكلام ، جردت سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام ، وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم والانتقام ، فتأمن من بوائقها من بين سائر الأنام ، وتصفيها من ظلمة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها ، فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانية ، فتجول في ميدان الخيرات ، وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفاره في الميدان ، وكالملك المتنزه في البستان .
225- أعداء الإنسان ثلاثة : ديناه ، وشيطانه ، ونفسه ، فاحترس من الدنيا بالزهد ، ومن الشيطان بمخالفته ، ومن النفس بترك الشهوات .
226- في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق .
227- جوع الراغبين منية ، وجوع التائبين تجربة ، وجوع المجتهدين كرامة ، وجوع الصابرين سياسة ، وجوع الزاهدين حكمة .
228- معاشر الصديقين ! جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس فإن شهوة الطعام على قدر تجويع النفس .
229- الدنيا حانوت الشيطان ، فلا تسرق من حانوته شيئاً فيجيء في طلبه فيأخذك.
230- الدنيا بلغ شؤمها أن تمنيك لما يلهيك عن طاعة الله ، فكيف الوقوع فيها ..
231- الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه ، فإنه إن لدغك قتلك سمه ، قيل : وما رقيته ؟ قال : أخذه من حله ووضعه في حقه .
232- ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجاراً وللبخلاء إلا بغض ، ولو كانوا أبراراً .
233- قيل ليحيى بن معاذ : من آمن الخلق غداً ؟ قال : أشدهم خوفاً اليوم .
234- من عبد الله تعالى بمحض الخوف في بخار الأفكار ، ومن عبده بمحض الرجاء تاه في مفازة الاغترار ، ومن عبده بالخوف والرجاء استقام في محجة الادكار .
235- حبك الفقراء من أخلاق المرسلين ، وإثارك مجالستهم من علامة الصالحين ، وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين .
236- قال رجل ليحيى : متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء الزهد ، وأقعد مع الزاهدين ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حدً لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك ، فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح .
237- في وجود العبد الرزق من غير طلب دلالة على أن الرزق مأمور بطلب العبد ..
عفوة يستغرق الذنوب فكيف رضوانه ؟ ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه ؟ وحبه يدهش العقول فكيف ودّه ؟ ووده ينسي ما دونه فكيف لطفه ؟
238- مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب .
239- إلهي ! إني مقيم بفنائك ، مشغول بثيابك ، صغيراً خذتني إليك ، وسربلتي بمعرفتك ، وأمكنتني من لطفك ، ونقلتني في الأحوال ، وقلبتني في الأعمال ، ستراً وتوبة ، وزهداً وشوقاً ، ورضاً وحباً ، تسقيني من حياضك ، وتهملني في رياضك ،ملازماً لأمرك ، ومشغوفاً بقولك ، ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيراً وقد أعتدت هذا منك صغيراً ، فلي ما بقيت حولك دندنة ، والضراعة إليك همهمة ، لأني محب ول محب بحبيبة مشغوف ، وعن غير حبيبة مصروف .
240- الإخلاص يميز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرث والدم .
241- من استفتح باب المعاش بغير مفتاح الأقدار وكل إلى المخلوقين .
242- أيها المريدون طريق الآخرة والصدق ، والطالبون أسباب العبادة والزهد ، اعلموا أنه من لم يحسن عقله لم يحسن تعبد ربه ، ومن لم يعرف آفة العمل لم يحسن أن يحترز منه ، ومن لم تصح عنايته في طلب الشيء لم ينتفع به إذا وجده ، واعلموا أنكم خلقتم لأمر عظيم ، وخطر جسيم ، وأن العلم لم يُرد ليُعلم إنما خلقتم لأمر عظيم ، وخطر جسيم .
243- إن العلم لم يُرد ليُعلم إنما أريد ليُعلم ويُعمل به : لأن الثواب على العمل بالعمل يقع على العلم ، ألا ترى أن العلم إذا لم يُعمل به عاد وبالاً وحجة وانظروا ألا تكونوا معشر المريدين ممن قد تركوا لذة الدنيا ونعيمها ، ثم لا يصدق طلبكم الآخرة فلا دنيا ولا آخره ، وفكروا فيما تطلبون فإن من لم يعرف خطر ما يطلب لم يسهل عليه الجهل في جنب طلبه
244- اعلموا أنه من لم يهن عليه الخلق لم يعظم عليه الرب ، ومن لم يكن طلبه في طريق الرغبة والرهبة والشوق والمحبة كان متحركاً في طلبه مخلصاً في عمله لا يجد لذة العبادة ولا يقطع طريق الزهادة ، فاتقوا الله الذي إليه معادكم ، وانظروا ألا تكونوا ممن يعرفهم جيرانهم وإخوانهم بالخير والإرادة والزهادة والعبادة وحالكم عند الله على خلاف ذلك . فإن الله إنما يجزيكم على ما يعرف منكم لا على ما يعرفه الناس ، ولا تكونوا ممن يولع بصلاح الظاهر الذي إنما هو للخلق ولا ثواب له بل عليه العقاب ويدع الباطن الذي هو لله وله الثواب ولا عقاب عليه .
|