85- الدرجات التي يسعى إليها أبناء الآخرة سبعة : التوبة ثم الزهد ثم الرضا ثم الخوف ثم الشوق ثم المحبة ثم المعرفة ، فبالتوبة تطهروا من الذنوب وبالزهد خرجوا من الدنيا ، وبالرضا ألبسوا حُلل العبودية ، وبالخوف جاوزا قناطر النار ، وبالشوق إلى الجنة استوجبوها ، وبالمحبة عقلوا النعيم ، وبالمعرفة وصلوا إلى الله .
86- الدنيا خزانة الله ، فما الذي يُبغض منها وكل شيء من حجر أو مدر أو شجر يسبح الله فيها ، قال تعالى : { وإن من شيء إلا يُسبح بِحمده ** ، وقال تعالى : { ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ** . فالمجيب له بالطاعة لا يستحق أن يكون بغيضاً في قلوب المؤمنين ، ليعلم أن الذنب والذم زائلان عنها إلى بني آدم لو كانوا يعلمون .
87- اعلموا أنه لا يصح الزهد والعبادة ولا شيء من أور الطاعة لرجل أبداً وفيه للطمع بقية ، فإن أردتم الوصول إلى محض الزهد والعبادة فأخرجوا من قلوبكم هذه الخصلة الواحدة ، وكونوا – رحمكم الله – من أبناء الآخرة ، وتعاونوا واصبروا وأبشروا تظفروا إن شاء الله ، واعلموا أن ترك الدنيا هو الربح نفسه الذي ليس بعده أمر أشد منه ، فإن ذبحتم لتركها نفوسكم أحييتموها ، وغن أحييتم أنفسكم بأخذها قتلتموها ، فارفضوها من قلوبكم تصيروا إلى الروح لراحة في الدنيا والآخرة ، وتصيبوا شرف الدنيا والآخرة ، وعيش الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون .
88- عذبوا أنفسكم في طاعة الله بترك شهواتها قبل أن تلقي الشهوة منها أجسامكم في ديار عاقبتها ، واعلموا أن القرآن قد ندبكم إلى وليمة الجنة ، ودعاكم إليها ، فأسرع الناس إليها أتركُهم لدنياه ، وأوجدُكم لذة لطعم تلك الوليمة : أشدهم تجويعاً لنفسه ، ومخالفة لها ، فإنه ليس أمر من أمور الطاعة إلا وأنتم تحتاجون أن تخرجوه من بين ضدين مختلفين بجهد شديد ، وسأظهر لكم هذا الأمر : فإني وجدت أمر الإنسان أمراً عجيباً ، قد خلاف ما كُلِف سائر الخلق من أهل الأرض والسماء فأحسن النظر فيه ، وليكن العمل منك فيه على حسب الحاجة منك إليه ، واستعن بالله فنعم المعين ، واعلم أنك لم تسكن لتنعم فيها جاهلاً ، وعن الآخرة غافلاً ، ولكنك أسكنتها لتتعبد فيها عاقلاً وتمتطي الأيام إلى ربك عاملاً ، فإنك بين دنيا وآخرة ، ولكل واحدة منهما نعيم وفي وجود أحدهما يطول الآخر ، فانظر أن تحسن طلب النعيم ، فقد حكي عن إبراهيم بن آدم أنه قال : غلط الملوك طلبوا النعيم فلم يحسنوا.
89- وعلى حسب اقتراب قلبك من الدنيا يكون بعدك من الله ، وعلى حسب بعد قلبك من الدنيا يكون قربك من الله ، وكما كان معدوماً وجود نفسك في مكانين فكذلك معدوم وجود قلبك في دارين ، فإن كنت ذا قلبين فدونك اجعل أحدهما للدنيا وأحدهما للآخرة . وإن كنت ذا قلب واحد فاجعله لأولى الدارين بالنعيم والمقام والبقاء والإنعام .
90- واعلم أن النفس والهوى لا تقهران بشيء أفضل من الصوم الدائم ( أي صوم النفس عن الهوى ) وهو بساط العبادة ومفتاح الزهد ، وطلع ثمرات الخير ، وأجساد العمال من شجراته دائم الجذاذ دائم الإطعام ، وهو الطريق إلى مرتبة الصديقين ، وما دونه فمزرعة الأعمال ، فثمر غرسها وربيع بذرها في تركها ، وفقدها في أخذها ، وليس معنى الترك لا لخروج من المال والأهل والولد ، ولكن معنى الترك العمل بطاعة الله وإيثار ما عند الله عليها مأخوذة متروكة ، فهذا معنى الترك لا ما يدعيه المتصوفة الجاهلون .
91- أنت من الدنيا بين منزلتين فإن زويت عنك كفيت المؤنة وأن صرفت إليك ألزمتها طاعة مولاك ، وإن كانت طاعتك لله في شأنها تصلحها ، ومعصيتك لله في أمرها يفسدها ، فدع عنك لوم الدنيا واحفظ من نفسك وعملك ما فيه صلاحها ، فإن المطيع فيها محمود عند الله ، إنما تلزمه التهمة وعيب الأخذ لها إذا خان الله فيها ، لأن الدنيا مال الله ، والخلق عباد الله ، وهم في ها المال صنفان .
92- خونة وأمناء ، فإذا وقع المال في أيدي الخائنين فهو سبب دمارهم ، ولا عتب على المال إنما العتب على فعلهم بالمال . وإذا وقع في أيدي الأمناء كان سبب شرفهم وخلاصهم ، ولا معنى للمال إنما كسب لهم الشرف عند الله فعلهم بالمال ، أدوا أمانة الله في أموالهم فلحق بهم نفع المال . لا ذنب للمال الذنب لك ، الذنوب إنما تكتسب بالجوارح ، وليس للضيعة والحانوت جوارح ، إنما الجوارح لك وبها تكتسب الذنوب ، فعلك بما لك أسقطك من عين ربك لا مالك ، وفعلك بما لك يصحبك إلى قبرك لا مالك ، وفعلك بما لك يوزن يوم القيامة لا مالك .
93- يا من أقام لي غرس ذكرى ، وأجري إلي أنهار نجوى ، وجعل لي أيام عيد في اجتماع الورى ، وأقام لي فيهم أسواق تقوى ، أقلبت إليك معتمداً عليك ممتلئ القلب من رجائك ورطب اللسان من دعائك ، في قلبي من الذنوب زفرات ، ومعي عليها ندامات ، إن أعطيتني قبلت ، وإن منعتني رضيت ، وإن تركتني دعوت ، وإن دعوتني أحببت ، فأعطني إلهي ما أريد فلئن لم تعطني ما أريد فصبرني على ما تريد .
94- من أكثر ذكر الموت لم يمت قبل أجله ، ويدخل عليه ثلاث خصال من الخير : أولها المبادرة إلى التوبة ، والثاني القناعة برزق يسير ، والثالث النشاط في العبادة . ومن حرص على الدنيا فإنه يأكل فوق ما كتب الله له ، ويدخل عليه من العيوب ثلاث خصال : أولها أن تراه أبداً غير شاكر لعطية الله له ، والثاني لا يواسي بشيء مما قد أعطي من الدنيا ، والثالث يشتغل ويتعب في طلب ما لم يرزقه الله حتى يفوته عمل الدين.
95- الصبر على الناس أشد من الصبر على النار .
96- تأبى القلوب للأسخياء إلا حباً وإن كانوا فجاراً وللبخلاء إلا بعضاً وإن كانوا أبراراً .
97- ليس على وجه الأرض أحد إلا وفيه فقر وحرص ، ولكن من أخلاق المؤمنين أن يكونوا حرصاء على طلب الجنة قراء إلى ربهم ، والمنافق حريص على الدنيا فقير إلى الخلق .
98- قال بعض الحكماء : من أصبح لم يكن معه هذه الخصال الثلاث لم يصب طريق العزم : أولها كما أن الله لم يعط رزقك اليوم غيرك فلا تعمل لغيره ، وكما أن الله لم يشارك فيما أعطاك أحد فلا تشارك في العمل الذي تعمل له - يعني الرياء - وكما أن الله لم يكلفك اليوم عمل غد فلا تسأله رزق غد على جور حتى إذا لم يعطك شكوته .
إذ لاحظت الأشياء منه كان لها طعم آخر
99- ليس بصادق من ادعى حبه ( أي حب الله تعالى ) ولم يحفظ حده .
سقوط رجل من درجةٍ : ادعاؤها .
100- إذا عملوا على الصدق انطلقت ألسنتهم على الخلق بالشدة ، وإذا عملوا في التفويض انكسرت ألسنتهم عن الخلق مبهوتين ، الأول من صفة الزاهدين ، والثاني من صفة العارفين .